المحقق البحراني
6
الكشكول
وعن جده سيد الساجدين ومصباح المتهجدين : سلام من الرحمن نحو جنابهم فإن سلامي لا يليق ببابهم « إن للقلوب اقبالا وادبارا فإذا أقبلت فأقبلوا على النوافل وإذا أدبرت فدعوها » ، وما روي عن ابن عباس ( رض ) أنه كان إذا فرغ من التدريس ورواية الأحاديث يقول لتلاميذه : حمضونا حمضونا ، فيخوضون عند ذلك في الأشعار والطرائف والأخبار . وهذا الأمر وإن كان قد يحصل بالاجتماع باخوان الصفا من أولي الألباب وخلان الوفا من الأحباب إلا أنهم في مثل هذا الزمان الخوان لا يدخلون في حيز الوجود بل ولا في حيز الامكان ، فرأيت أن اصنع كتابا متضمنا لطرائف الحكم والأشعار مشتملا على نوادر القصص والآثار قد حاز جملة من الأحاديث المعصومية والمسائل العلمية والنكات الغريبة والطرائف العجيبة يروح الخاطر عند الملال ويشحذ الذهن عند الكلال جليس أنيس يأمن الناس شره بذكر أنواع المكارم والنهى ويأمر بالإحسان والبر والتقى وينهى عن الطغيان والشر والأذى . وقد وسمته بعد الإتمام بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر عليهم الف صلاة وسلام ب ( أنيس المسافر وجليس الخاطر ) حيث أن المسافر مع الوحدة يحتاج إلى الأنيس والخاطر مع فقد المسامر يضطر إلى الجليس . ولعمري لا جليس ولا أنيس أحسن من الكتاب لا امين ولا معين أعود نفعا منه في هذا الباب ولا سيما في زماننا هذا الذي قد التبست فيه الأصحاب بالذباب وتبدلت فيه الأحباب بالكلاب ، وحاشا الكلاب والذئاب مما عليه أولئك الأحباب والأصحاب من قبح البواطن والسرائر والاظهار لخلاف ما أضمرت عليه الضمائر . قال المسعودي قالت الحكماء : الكتاب نعم الجليس والقعيد ان شئت ألهتك نوادره وإن شئت اشجتك مواعظه وإن شئت تعجبت من فوائده ، وهو يجمع لك الأول والآخر والناقص والوافر والشاهد والغائب والبادي والحاضر والشكل وخلافه والحسن وضده ، وهو ميت ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء ، وهو مؤنس ينشط بنشاطك وينام بنومك ولا ينطق إلا بما تهواه ، ولا تعلم جارا ولا خليطا ولا رفيقا أطوع ولا معلما أجمع ولا صاحبا اظهر كفاية ولا أقل جناية ولا آبد نفعا ولا أحمد أخلاقا ولا أدوم سرورا ولا اسكت غيبة ولا اعجل مكافأة ولا أخف مئونة ، إن نظرت فيه أطال امتاعك وشحذ طباعك وأيد فهمك وأكثر علمك ، وتعرف منه في شهر ما لا تأخذه من أفواه الرجال إلا في دهر ، ويغنيك عن كد الطلب والخضوع فمن أثبت منه أصلا واشمخ منه فرعا ؟ وهو المعلم الذي لا يجفوك وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة ، وهو الذي يصحبك في السفر كصحبته لك في الحضر . فقد كان عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر لا يجالس